ابن الجوزي

104

بستان الواعظين ورياض السامعين

قلت لها : رحمك اللّه إن رأيت أن تمني علي الزيادة . فقالت : وما أفادك الحكيم في مقامك بين يديه من الفوائد ما يستغنى به عن طلب الزوائد ! قال : قلت لها : رحمك اللّه ما أنا بمستغن عن طلب الزوائد ، قالت : صدقت يا مسكين حب مولاك واشتق إليه فإن له يوما يذيق فيه أولياءه كأسا لا يظمئون بعده أبدا . ثم علا شهيق ثم قالت : يا حبيب قلبي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها صادقا بريئا من الدعاوى الكاذبة يسعدني البكاء على أيام حياتي . ثم تركتني وانحدرت في الوادي وهي تقول : اللهم إليك لا إلى النار ، حتى غاب شخصها عن بصري ، وانقطع صوتها عن سمعي . قال ذو النون : فواللّه ما ذكرت كلامها قط إلّا كدّر عليّ أحشائي وعيشي . قال ذو النون : فلقد أدبتني واستقام حالي مذ رأيتها . وأنشدوا : أريد وأنت تعلم ما مرادي * وتعلم ما تلجلج في فؤادي فهب لي ذلتي واغفر ذنوبي * وسامحني بها يوم التنادي [ 176 ] رجع إلى الموعظة يا أخي ، مالك لا تفكر في قول مولاك الذي لم يزل عليك شهيدا ، وهو يسمعك ويراك قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] الآية . أقرع يا مسكين بهذا الكلام باب قلبك فعساك تزيل عنه الأقفال ، وترده عن الغي والمحال ، وتوقظه عن السهو والإغفال ، قال اللّه الكبير المتعال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] يوم يظهر الخفي من أعمالك ، يوم تبكي على قبيح أفعالك ، يوم يحزن المسئ من أقوالك ، يوم تنوح على خطاياك وضلالك . [ 177 ] جهنم وشدتها ذكر أن الخلق إذا اجتمعوا في الموقف وضاق المتسع ، وعظم الفزع ، واشتد الجزع ، واختلفت الأقدام ، وكثر الازدحام ، وجاءت جهنم بالهول الأعظم ، والعذاب المقيم الألزم ووقفت بين يدي الجبار خاضعة للملك القهار ، أمر الجبار جل جلاله أن تفتح أبوابها ، وترفع كلّ جلال عليها ، وهي سبعة أبواب على كلّ باب سبعمائة ألف جلال وهي الحجب . ولولا تلك الاجلال لاحترقت السماوات